بقلم / محمد سعيد أبوالنصر .
للإنسان حواسه الخمسة، وله شعوره ووجدانه، وعن طريق الحواس الظاهرة والباطنة يتمتع الإنسان بالنعيم، ومن النعيم رؤية الرسول الكريم، ولا شك أن العقل والوجدان والروح والشعور الداخلي للمؤمن الحق يكون سعيدا برؤية رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم،فحينما تراه ،ترى من صفات خلقته صلى الله عليه وسلم ما يسرك وحينما تشم طيب ريحه، وتسمع جوامع كلمه، وتتبرك بطعامه وشرابه،وتلامس يدك يده ،وتمتع عينيك بالنظر إليه صلى الله عليه وسلم،تحس بأنك في نعيم . فرؤيته صلى الله عليه وسلم خير من الأهل والمال والولد، لأنه أساس في إثبات الصحبة، والصحبة من أفضل خصال الإسلام، وخير القرون قرنه صلى الله عليه وسلم ،عن أبي هُرَيْرَةَ َقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ فِى يَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ وَلاَ يَرَانِى ثُمَّ لأَنْ يَرَانِى أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُمْ ». قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَعْنَى فِيهِ عِنْدِى لأَنْ يَرَانِى مَعَهُمْ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَهُوَ عِنْدِى مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ.
قوله (لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ وَلاَ يَرَانِى) الخطاب للصحابة السامعين له، أي ستشغلكم الدنيا وأمور الحياة عن ملازمتي في مسجدي وفي حلي وترحالي، وسيأتي على بعضكم يوم، بل أيام لا يراني فيها، وقد وقع ذلك من أقرب الناس إليه، عمر بن الخطاب، فقد كان يزرع في أرض الأنصار في أطراف المدينة، وينزل يوما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وينزل جاره يوما، بل كانت التجارة والأسواق تشغله أياما عن النزول أحيانا، حتى قال: ألهاني عنه الصفق بالأسواق.
وقوله (ثُمَّ لأَنْ يَرَانِى أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُمْ) يقول أبو إسحاق الراوي: هو عندي، مقدم ومؤخر، مراده أن كلمة "ثم" أخرت، وأصلها مقدم على "لا يراني" و"ثم لا يراني" مقدم من تأخير، وأصل الجملة لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ وَلاَ يَرَانِى ولأن يَرَانِى فيه أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أن يكون له مثلُ أَهْلِهِ وَمَالِهِ (ثم لا يراني) أي رؤيته إياي أفضل عنده، وأحظى من أهله وماله، ولفظة "معهم" في موضعها. أي يأتي على أحدكم يوم، لأن يراني فيه لحظة، ثم لا يراني بعدها، أحب إليه من أهله وماله جميعا." فكل أحد من الصحابة بعد موته صلى الله عليه و سلم كان يود لو كان رآه وفقد مثل أهله وما له وإنما قلت ذلك لأن كل أحد ممن بعدهم إلى زماننا هذا يتمنى مثل ذلك فكيف بهم مع عظيم منزلته عندهم ومحبتهم فيه " ومقصود الحديث الحث على ملازمة الصحابة مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم، حضرا وسفرا، ففي ذلك مشاهدة آداب الشرع في حركاته وسكناته، وتعلم الشرائع وحفظها عنه مباشرة دون وساطة، والتبرك بمجلسه، والانتفاع بالرحمة التي تغمر هذا المشهد العظيم.
طُوبَى لِمَنْ آمَنَ بِي وَلَمْ يَرَنِي.
لقد أتى زماننا متأخرا، فلم يكتب لنا أن نسعد برؤية النبي صلى الله عليه وسلم ، فهل شوقنا لرؤيته، وحنيننا إلى رؤيته صلى الله عليه وسلم يقوم مقام رؤيته؟ أو يسد - ولو جزئيا - مسد رؤيته؟ نسأل الله تعالى أن يمنحنا وصال الروح، حيث حرمنا وصال الأجساد، وأن يجمعنا به صلى الله عليه وسلم في الآخرة وأن يجعلنا من أهل شفاعته.
والرسول لم يحرمنا من الأجروإن لم نره ،ووصفنا بأنا أشد الناس حبا له ،عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: " مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي،يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ "
كما أخبر الرسول بأن لنا الجنة لأننا أمنا به ولم نره ،عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: " طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي،وَطُوبَى،ثُمَّ طُوبَى،ثُمَّ طُوبَى لِمَنْ آمَنَ بِي وَلَمْ يَرَنِي "
وَدِدْتُ أَنِّي لَقِيتُ إِخْوَانِي.
لقد ود النبي أن لو رأي إخوانه محبة لهم حتى إن الصحابة قالوا أو لسنا إخوانك قَالَ: " أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَلَكِنْ إِخْوَانِي الَّذِينَ آمَنُوا بِي وَلَمْ يَرَوْنِي،عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: " وَدِدْتُ أَنِّي لَقِيتُ إِخْوَانِي "، فَقَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أَوَلَيْسَ نَحْنُ إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟،قَالَ: " أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَلَكِنْ إِخْوَانِي الَّذِينَ آمَنُوا بِي وَلَمْ يَرَوْنِي "
هَلْ أَحَدٌ خَيْرٌ من الصحابة ؟
عَنْ حَبِيبِ بْنِ سِبَاعٍ - رضي الله عنه - قَالَ: تَغَدَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمَعَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ - رضي الله عنه - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ،هَلْ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا؟،أَسْلَمْنَا مَعَكَ،وَجَاهَدْنَا مَعَكَ،فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: " نَعَمْ،قَوْمٌ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ،يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي "
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: " أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا فَقَالَ: هَلْ مِنْ مَاءٍ؟،هَلْ مِنْ مَاءٍ؟ "،قَالُوا: لَا،قَالَ: " هَلْ مِنْ شَنٍّ؟ –(الشَّنّ: الْقِرْبَة البالية) -"،فَأُتِيَ بِالشَّنِّ فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -" فَفَرَّقَ أَصَابِعَهُ، فَنَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَمَرَ بِلَالًا يَهْتِفُ بِالنَّاسِ: الْوُضُوءَ،فَلَمَّا فَرَغَ وَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ،قَعَدَ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ أَعْجَبُ الْخَلْقِ إِيمَانًا؟ "،قَالُوا: الْمَلَائِكَةُ قَالَ: " وَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ "قَالُوا: فَالنَّبِيُّونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " وَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ؟ "قَالُوا: فَنَحْنُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟، وَأَنْتُمْ تَرَوْنَ مَا تَرَوْنَ؟،وَلَكِنَّ أَعْجَبَ الْخَلْقِ إِيمَانًا قَوْمٌ يَجِيئونَ مِنْ بَعْدِكُمْ، فَيَجِدُونَ كِتَابًا مِنَ الْوَحْيِ،فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَتَّبِعُونَهُ،فَهُمْ أَعْجَبُ الْخَلْقِ إيمَانًا "
هَلْ مِنْ قَوْمٍ أَعْظَمُ أَجْرًا من الصحابة ؟
في هذا الحديث بشرى لنا ،وإجابة على هذا السؤال ...عَنْ صَالِحِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو جُمُعَةَ الْأَنْصَارِيُّ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ لِيُصَلِّيَ فِيهِ , وَمَعَنَا يَوْمَئِذٍ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ خَرَجْنَا مَعَهُ لِنُشَيِّعَهُ، فَلَمَّا أَرَدْنَا الِانْصِرَافَ قَالَ: إِنَّ لَكُمْ عَلَيَّ جَائِزَةً وحَقًّا أَنْ أُحَدِّثَكُمْ بِحَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْنَا: هَاتِ يَرْحَمُكَ اللهُ، فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَعَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ - رضي الله عنه - عَاشِرَ عَشَرَةٍ , فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ مِنْ قَوْمٍ أَعْظَمُ مِنَّا أَجْرًا؟ , آمَنَّا بِكَ وَاتَّبَعْنَاكَ قَالَ: " مَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ ذَلِكَ وَرَسُولُ اللهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ , يَأْتِيكُمُ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ؟، بَلَى , قَوْمٌ يَأْتِيهِمْ كِتَابٌ بَيْنَ لَوْحَيْنِ , فَيُؤْمِنُونَ بِهِ , وَيَعْمَلُونَ بِمَا فِيهِ، أُولَئِكَ أَعْظَمُ مِنْكُمْ أَجْرًا، أُولَئِكَ أَعْظَمُ مِنْكُمْ أَجْرًا، أُولَئِكَ أَعْظَمُ مِنْكُمْ أَجْرًا "
نسأل الله أن نكون عند حسن ظن نبينا بنا ،وأن نكون كصاحبته الكرام رضي الله عنهم ،وأن يحشرنا معهم ،وأن يشفع فينا سيد الخلق آمين يا رب .
