recent
أخبار ساخنة

ظاهرة الملاعب الخماسية

الصفحة الرئيسية

بقلم ا/ عبدالرحيم حشمت عسيري 
تعتبر الرياضة بمختلف أشكالها وأنواعها من الأنشطة الحيوية المنتشرة حول العالم ، وتعد مظهرا من المظاهر التي يقاس بها تقدم الأمم ورقي الشعوب على مر التاريخ .. أما لعبة كرة القدم تحديدا فتعتبر الرياضة الشعبية الأولى المحببة إلى قلوب الملايين في كل ركن من أركان المعمورة .. وستظل هذه اللعبة الساحرة خاصة في أم الدنيا عشق المصريين الأول ، وشغلهم الشاغل .. برغم ما يواجهونه من قضايا مصيرية ، ومشاكل اجتماعية ، وأزمات اقتصادية لذا تحتل الأخبار الكروية المتنوعة مساحة كبيرة بين القواسم العامة المشتركة في الأحاديث اليومية بين جميع المصريين وبالذات الشباب الذي يحرص دائما على تشجيع منتخبه الوطني ، وينحاز قلبا وقالبا لنادية الرياضي ، ويحتفل ببطولاته ، ويحصي أهدافه ، ويحتفي بنجومه ، ويفتخر بتاريخه ، ويعدد انتصاراته .. وفي مباريات القمة بين قطبي الكرة (الأهلي والزمالك) يبلغ تشجيع الشباب حدوده القصوى ، وتعلو هتافاته ، وتزداد انفعالاته ، ويصل تعصبه إلى الذروة .. ويتابع الشباب بشغف واهتمام كبيرين أخبار هذه اللعبة الشعبية ، ويمارسها في أيام العطلات الرسمية ، والإجازات الدراسية ، خصوصا أبناء المحافظات النائية .. حيث تعتبر لعبة كرة القدم المتنفس الوحيد المتاح للشباب الذي يرفه فيه عن نفسه ، ويعبر فيه عن مشاعره وأحاسيسه ، ويظهر فيه ملكاته وإبداعاته ، ويفرغ فيه طاقته وانفعالاته .. بدلا من ارتياد المقاهي والكافيهات التي لا تخلو أبدا من المنحرفين ، وأرباب السوابق ، ومدمني المخدرات .. أو الانكباب على الهواتف النقالة واعتياد الحياة الافتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وخلافه وما تسببه من أمراض اجتماعية خطيرة ، ومشاكل نفسية عديدة لا أول لها ولا آخر .. أو الانطواء الذي يصيب الشباب باليأس والإحباط والبؤس والاكتئاب .. أو الانغلاق على الذات الذي يحوله خلال فترة وجيزة إلى عجينة يمكن تحويلها بمنتهى السهولة على يد تجار الدين إلى قنبلة موقوتة تنفجر في وجه الجميع بلا رحمة في أية لحظة . 
لكن الحكومات المتعاقبة متمثلة في وزارة الشباب والرياضة تقاعست كالعادة عن القيام بدورها في توفير ما يكفي الشباب من الملاعب القانونية والخماسية في مراكز الشباب الرياضية .. ففتحت الباب على مصراعيه لكل من هب ودب لمخالفة القوانين المرعية .. ومن هنا انتشرت الملاعب الخماسية كالنار في الهشيم في جميع أرجاء الجمهورية حتى بلغ عدد هذه الملاعب المقامة على الأراضي الزراعية في جميع المحافظات كما نشر إعلاميا منذ ثورة يناير حتى منتصف عام 2017 م حوالي 3000 ملعب جميعها أنشئ تحت سمع وبصر المسئولين بالمخالفة لقانون حماية الأراضي رقم 119 لسنة 2008 م .. ومن الطبيعي أن تصدر وزارة الزراعة قرارات إزالة بحق هذه الملاعب المخالفة .. لكن هذه القرارات ستبقي حبرا على ورق ولن تأخذ طريقها إلى حيز التنفيذ الفعلي طالما ظل الفساد المتوغل في المحليات هو سيد الموقف منذ عصر الثمانيات . 
لا شك في أن الملاعب الخماسية تمثل خطرا جديدا يتهدد ما تبقى لنا من الرقعة الزراعية بعد الهجوم الخرساني غير المسبوق الذي تعرضت له أثناء الانفلات الأمني عقب ثورة 25 يناير الشعبية الخالدة .. لكن الحقيقة أن حكومة ما بعد ثورة 30 يونيو الشعبية الخالدة لم تقف مكتوفة الأيدي بل خططت لزيادة المساحة الخضراء من أجل تحقيق الأمن الغذائي المنشود من خلال مشروع استصلاح مليون ونصف المليون فدان ، وتبذل في نفس الوقت جهودا مضنية لمنع زحف المباني ، وأجرت في سبيل ذلك جميع التعديلات التشريعية اللازمة ، واتخذت كافة الإجراءات التنفيذية المطلوبة .. لكن يؤخذ على هذه الحكومة أنها لم توفر للمواطنين البدائل المناسبة . 
ففي مشهد عبثي تخلفت فيه الحكومة عن أداء واجبها الوطني تجاه أبناء المحافظات النائية .. فلا توجد ملاعب رياضية ، ولا مكتبات عامة ، ولا أنشطة ثقافية ، ولا رعاية للمواهب الفنية ، ولا اهتمام بأصحاب العقول الذكية .. فكان من الطبيعي أن يبحث الشباب عما يملأ الفراغ ، فطفت على السطح حاجته لمثل هذه الملاعب الخماسية التي تحولت خلال سنوات معدودة من رياضة إلى موضة ، ومن لعبة إلى سبوبة .. هنا ظهر القطاع الخاص المستغل متمثلا في الشركات المتخصصة في تجهيز مثل هذه الملاعب المخالفة من الأف إلى الياء بمواد غير مطابقة للمواصفات الرياضية الآمنة .. الأمر الذي يمثل خطرا محدقا على السلامة العامة وليس أدل على ذلك من الإصابات البليغة التي تقع كل يوم في صفوف الشباب الذي يمثل حاضر ومستقبل هذه الأمة . 
عم الفساد في البلاد فتوافقت الإرادات على ابتزاز الشباب وتلاقت المصالح الضيقة بين هذه الشركات المستغلة من ناحية ، وقلة انتهازية ممن يتحينون الفرصة لتحقيق مكاسب مادية سريعة حتى لو كانت بطرق غير مشروعة من ناحية أخرى .. وسط هذه المعمعة وجد الفلاح المغلوب على أمره الذي أكلت الحكومة لحمه ، وطحن الغلاء عظامه ، ولم تعد الأرض تؤمن مستقبله ، ولا توفر له حتى قوت يومه .. وجد الفرصة سانحه أمامه لتعديل وضعه ، وتعويض نفسه عن سنوات حرمانه .. بتأجير أرضه بمبالغ طائلة لأحد الطامعين في تحقيق مكاسب مادية غير مشروعة ، أو استدانة تكلفة الملعب التي تتراوح ما بين 140 إلى 200 ألف جنيه وهي تكلفة يراها الفلاح مناسبة قياسا إلى ما سيحققه من عائد كبير يفوق أحلامه حيث تبلغ أرباحه حوالي 20 ألف جنيه شهريا .. وبمجرد أن يعلن عن رغبته في إقامة الملعب الخماسي لصالحه سرعان ما يلتف حوله جمع غفير من موظفي المؤسسات الحكومية المختلفة من النفوس الضعيفة والشخصيات الفاسدة المستعدة لتقديم يد المساعدة بطرق غير قانونية من تحت الترابيزة .. ابتداء من القيام بتبوير الأرض ، مرورا بدفع الغرامة ، وصولا إلى استبعاده من أية إجراءات محتملة تؤخذ ضده قبل إقامة الملعب وبعده . 
وفي ظل عدم وجود رؤية سياسية أو خطة استراتيجية غاب التنسيق بين أجهزة الدولة المختلفة وحلت محله الفوضى كنتيجة طبيعية للسياسات العشوائية وما ترتب عليها من آثار سلبية .. وخير مثال على ذلك ظاهرة الملاعب الخماسية المخالفة .. ففي الوقت الذي تقوم فيه وزارة الزراعة بتحرير المخالفات ، وإصدار قرارات الإزالة ، وتحصيل الغرامات .. وتصرح فيه وزارة الشباب والرياضة بأعلى صوتها في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية بأن هذه الملاعب لا تتبعها ولم ولن تمنح أي منها أية موافقة .. إذ بوزارة الكهرباء تهدم الجهود السابقة فتقوم بمنتهى الفوضى بتوصيل الكهرباء لهذه الملاعب المخالفة .. فتبدو السياسة العامة للوزارة كما لو كانت صادرة من مؤسسات منفصلة تعيش في جزر منعزلة .. لكن الأدهى والأمر مما سبق هو انتشار الفساد في المحليات حتى أصبح هو اللغة الوحيدة المعترف بها في الدولة من أقصاها إلى أدناها .. يتضح ذلك جليا من خلال قيام المحليات بالتنفيذ الجزئي لقرارات الإزالة وسرعان ما تعود التعديات إلى سابق عهدها وتستأنف الملاعب المخالفة نشاطها .. الأمر الذي يقوض الجهود الرامية إلى المحافظة على ما تبقى من الرقعة الزراعية .. فماذا نتوقع في ظل مثل هذه السياسات المتضاربة التي تعرقل مسيرة الإصلاح الاقتصادي ؟ .. إلا مزيدا من الفوضى والتخلف والانهيار والتردي .
google-playkhamsatmostaqltradent