recent
أخبار ساخنة

أنوار 4. الحلم

الصفحة الرئيسية

بقلم/ سمير احمد
... في بيت كبير ، كبير بالحجم ، وكبير بالعائلة ، أولاد كثيرون _والحمد لله_ وكنا ثلاث أخوات ، وأنا البنت البكر .. بيتنا يمتلىء بالحركة والضجيج والصراخ ، وقد تعودنا على ذلك ، فمكانة أبي كبيرة بين أعمامي وأقاربي .والحال ميسورة والحمد لله ، وكان والدي سيدا مطاعا في البيت ، له حضوره ، كلماته ترن في آذاننا وقلوبنا ، استحوذ على حب الجميع .. يكن الاحترام الشديد لأمي ، التي كانت سيدة البيت ، فقد منحها والدي مكانة خاصة ، لم أسمعه يوما يخطىء بحقها.. يتحاشى أن يعاتبها أمامنا أو أمام الغير .. مما منحها ثقة زائدة في نفسها، تنظر إلى أولادها وتحصنهم كل يوم بآيات من القرآن الكريم والمعوذات ، تخاف عليهم من الريح ، تحمل همومنا جميعا .. وتعرف كل مشاكلنا ..لم نفكر بمشاكلها في يوم من الأيام .. كنا نحس أنها في قمة السعادة ،ولكن خيط من الحزن كان يلفها ، وغامض علينا . كان قلبها نبعا من العواطف يتدفق ، يملأ البيت بالسعادة والهناء .تتحرك بهيبة ووقار، تفرض احترامها للجميع ، لم أشعر يوما أنها أغضبت أحدا ، أو استهزأت بشخص آخر ، تكمت غضبها، وتظهر فرحها في الوقت المناسب ، تسامح من أخطأ معها ، لا تعرف الحقد والكراهية . امتلكت قلوب الجميع داخل المنزل وخارجه . كانت المثل الذي يحتذى ، لكن من الصعب أن تصل إلى القمة ، فقد كانت قمة ، مصدر الفخر لنا .
أحسسنا أننا نملك الدنيا ، وأن الحياة تمضي حسب إرادتنا ، كبر أخوتي وتزوج اثنان منهم .. وتخرجا من الجامعة .. تنظر إلي نظرات عميقة ، وتوصيني بأخوتي ، وبأن أهتم بنفسي، لم أفهم مغزى ذلك يومها .. بدأ جسمها الجميل المتناسق يذوب يوما بعد يوم .. وراحت قوتها تضعف .. اصفر وجهها الجميل المدور بعد البياض ،وعلى غير ميعاد فارقتنا ، هوت مثل سقوط النسر ، لم تستسلم للمرض بقيت عابدة ساجدة لربها حتى موتها ، وتركت الغصة في نفوس الجميع ..بقي طيفها يسري في كل جنبات البيت لسنوات عديدة ، قد تتبدل المواقف ، لكنها بقيت الموقف الأقوى في حياتنا حتى اليوم . رقدت في سبات أبدي ، ماثلة في نفوسنا . كنا غير مصدقين ، لم نصدق أن الحياة ستنقلب علينا ، بهذه السرعة ، خيم حزن كبير علينا،شعرت بنهاية الزمن ، وأن صفحة من الفرح قد انطوت ، فتحت الأيام صفحة الحزن ،وهدم الإعصار شجرة السنديان التي قاومت بصلابة .
google-playkhamsatmostaqltradent